وهبة الزحيلي

177

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وَقالُوا : رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ أي وقال المشركون تهكما واستهزاء حين سمعوا بالمعاد والحساب والعقاب : ربنا عجّل لنا نصيبنا من العذاب الذي توعدنا به ، ولا تؤخره إلى يوم القيامة . وهذا إنكار من اللّه تعالى على المشركين في دعائهم على أنفسهم بتعجيل العذاب ، كما قالوا : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ الأنفال 8 / 32 ] . وقائل ذلك : النضر بن الحارث الذي قال اللّه فيه سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [ المعارج 70 / 1 ] أو أبو جهل ، ورضي الآخرون بقوله . ثم أمر اللّه رسوله بالصبر على أذى المشركين وعلى سفاهتهم قائلا : اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ أي اصبر على أذى قومك المشركين ، فإنهم في النهاية مقهورون أذلاء ، ونبشرك على صبرك بالظفر والنصر والعاقبة الحميدة . فقه الحياة أو الأحكام : هذه الآيات عظة بليغة وعبرة مؤثرة يتأثر بها ذوو الإحساس الإنساني السليم الذي يتخلى صاحبه عن الكبر والاستعلاء . وما أعظمها عبرة وشاهدا محسوسا لكفار مكة . إن أمامهم آثار الدمار والخراب والهلاك ، أو إنهم يسمعون ما حدث للأمم التي كذّبت رسلها ، وما جرى على المثيل يجري على مثيله . فإن اللّه القوي القاهر أغرق قوم نوح بالطوفان ، وأهلك فرعون وجنوده بالإغراق في البحر ، وقوم هود بالريح الصرصر العاتية ، وقوم صالح بالصيحة أو بالطاغية ( وهي الصيحة المجاوزة للحدّ في الشدة ) وقوم لوط بالخسف أو الزلزلة ، وأصحاب الأيكة بعذاب الظلة .